التجربة الصينية تجمع مزايا الاشتراكية والرأسمالية وصعود بكين نحو الصدارة المصرفية الدولية
القاهرة ـ "الوطن":
أصبح الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص ينظران إلى نمو الاقتصاد الصيني بنظرة قلقة, ليس فقط بسبب قدرته التنافسية, بل أيضا بسبب تباين الرؤى السياسية الاستراتيجية فالصين رغم كونها أكثر توحشا في أسلوبها الرأسمالي من الأنظمة الرأسمالية ذاتها, فلا تزال في فلسفتها السياسية تصنف على أنها نظام اشتراكي.
اقتصاديات الأمم
تحاول الصين دائما تحقيق أكبر إنتاج وتسويق وتصدير في العالم, وبناء احتياطيات رأسمالية ضخمة لتدوير مصانعها الكبيرة والمتوسطة والصغيرة في صناعات تحويلية وغذائية وتعدينية بأرخص الأسعار, وتوريد أجود المنتجات للخارج, ويكفي إشارة أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري إلى استثمار الصين 20 مليار دولار في افريقيا خلال خمس سنوات فقط.
والحقيقة أن الاقتصاد الصيني برغم الأزمة المالية العالمية ما زال يعطي مؤشرات متفائلة. فصحيح أن الأزمة المالية انعكس أثرها السلبي أيضا على الصين, حيث إن التوقعات الاقتصادية تشير إلى انخفاض بنقطتين مئويتين في نمو الصين عام 2009, إلا أنه برغم هذا الانخفاض فمحركات النمو تظل هائلة بسبب قاعدتها الاستهلاكية الضخمة, وإنفاقها الكبير على البنية التحتية, والوضع المالي القوي للحكومة الصينية. ونجد أن بعض القطاعات والشركات في الصين تنمو الآن بمعدل يتراوح بين40 و50% برغم الأزمة المالية الحالية.
وعلى الرغم من أن الصين ما زالت تواجه عجزا ماليا في الميزانية يبلغ 139 مليار دولار لعام 2009, وهو رقم قياسي في ستة عقود, ويقترب من ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق لها, ويعطي انطباعا أن الطريق ليس ميسرا لها, ولكن بالعمل وحده تمكنت بكين من الانتصار بخطة تحفيز غير مسبوقة لتعزيز النمو أعلنتها وسط التباطؤ العالمي, وهي حزمة تحفيز بلغت 585.5 مليار دولار.
وبناء على هذا جاء تعافي الاقتصاد الصيني تدريجيا قبل الاقتصاديات الرئيسية الأخرى, بل وانتعاشه بناء على الاستثمار الحكومي الضخم, لقد نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.9% العام الماضي ليبلغ 13.99 تريليون دولار.
كما يشير الجانب المالي إلى أن الاقتصاد الصيني هو الأفضل أداء بين الاقتصاديات الكبرى, بسبب تطبيق الحكومة سياسة الإنعاش التي بلغت 416 مليار يورو, أسهمت في رفع الاستهلاك المحلي, وهو الأمر الذي غطى الخسائر التي تسببت في التراجع الكبير للصادرات منذ بداية الأزمة الاقتصادية العالمية.
ولو لاحظنا في بداية هذا العام, فبينما كان العالم يقف مذهولا أمام الانهيار الكبير الذي أصاب قطاعي البنوك والعقارات, وتنحصر مبادرات الحكومات الغربية في ضخ كميات كبيرة من المال كانت الصين منتشية بالحدث معتبرة إياه فرصتها التاريخية التي لا تعوض. ولتوسيع نفوذها الدولي, قامت الصين بإعادة توثيق علاقاتها الاقتصادية الدولية تمهيدا لتمتين علاقاتها السياسية, حيث قدمت وهي التي تملك أكبر احتياطي من العملة الأجنبية في العالم مساعدات مالية مهمة لمجموعة من الدول, كما قام وزير الاقتصاد الصيني يصطحب تسعين من مديري كبريات الشركات الصينية بزيارات عمل لألمانيا, وسويسرا, وإسبانيا, وبريطانيا أسفرت عن توقيع عقود اقتصادية بلغت 10 مليارات دولار. ولوحظ أن أغلب هذه العقود تركزت في قطاعات اقتصادية حيوية. وهناك ثمة ملحوظة مهمة لا يمكن تجاهلها فحجم استثمارات الصين في الثلث الأخير من العام الحالي بلغ ضعف استثمارها في عام 2008. ومن هنا فإذا كانت الصين المثقلة بـ1.3 مليار نسمة عملت على التخطيط جديا للاستفادة من الأزمة العالمية واستثمرت رصيدها المالي, فلماذا تعجز الدول العربية التي تملك رصيدا هائلا عن استغلال الأزمة لصالحها؟
تفوق مالي واسع
من المؤكد أنه لو عاد مؤسسا الاشتراكية كارل ماركس, والرأسمالية آدم سميث وشاهدا الصين الحديثة التي تجمع في وفاق نادر بين التجربتين الشيوعية والرأسمالية لشعرا بالضآلة أمام القادة المعاصرين لتلك الدولة العملاقة, بدءا من الزعيم الفذ دينج شياو بنج, فبفضل هؤلاء انتهي وللأبد الصراع بين النظامين بعد عقود من الصراع المرير لم يسفر فقط عن موت أعداد هائلة من البشر, ولكنه أدى أيضا إلي تفتيت الإمبراطورية السوفيتية, والدولة الاتحادية اليوجوسلافية, والتي لم ير الغرب سبيلا لتحويلهما عن الشيوعية إلا بتفتيتهما إلى دويلات, مستغلا تعدد القوميات, وفشل الشيوعية هناك في تحقيق حلم الحياة الكريمة.
فبرغم أن النظام الشيوعي بالصين عمل منذ نشأته في عام1949 على الأخذ بإيجابيات الاشتراكية, والابتعاد قدر الإمكان عن السلبيات, فميز نفسه عن الشيوعية السوفيتية, فإن مبادراته المتوالية للنهوض الاقتصادي بالبلاد فشلت فشلا ذريعا, حيث خلفت ملايين الضحايا في الخمسينيات من القرن العشرين عندما حاول النظام إحداث تحول سريع نحو التنمية من خلال ما سمي بسياسة القفزة الكبرى, وتكرر الأمر خلال ثورة الشباب في الستينيات, ومن هاتين التجربتين ولد العملاق دينج شياو بنج صاحب سياسة الانفتاح لتتحول بذلك الصين إلى خامس أكبر اقتصاد في العالم خلال أقل من عقدين من الزمان, ويتقلص معها معدل الفقر إلى أقل من 20%, وهي نسبة ربما لاتكون موجودة في اقتصاديات رأسمالية.
وبعد أن كان العالم الرأسمالي يتجنب التعامل مع الصين الشيوعية, أصبح يخطب ودها, ويستقبل بترحاب بضائعها, ولذلك فإجمالي صادراتها يزيد حاليا علي 23 مليون حاوية سنويا يذهب معظمها للغرب والولايات المتحدة مختوما بشعار المطرقة والسندان رمز الشيوعية, ولكن الأمر بالتأكيد يختلف مع الشيوعية الصينية التي باتت حريصة على تداول السلطة, وإن كان هذا داخل أجنحة الحزب الشيوعي, وهو الحزب الذي يضم الملايين من الرأسماليين.
وإذا قارنا النمو التجاري لألمانيا الذي هو بحدود 5,2%, فان المعدل في الصين هو 9%. وبعد أن كانت الأحزاب الشيوعية هي العدو الأول لاقتصاد السوق باعتبار أنه يهدد فكرة سيطرتها كممثلة للدولة على أدوات الإنتاج واحتكار الملكية, أصبح الحزب الشيوعي الصيني هو صاحب نظرية شيوعية اقتصاد السوق.
ويلاحظ في الصين وجود استقطاب واضح بين الأغنياء والفقراء, فعدد المليونيرات زاد من 8 إلي20 % يقابل هؤلاء 700 مليون من الفقراء الذين يحصلون على دولار واحد يوميا, فالعاملون والمستخدمون هم في الصين كما هو في الدول الصناعية الغربية بعيدون عن السيطرة على وسائل الإنتاج, ولا يملكون القرار حتى ولو كانوا يعملون في المصانع المملوكة للدولة, ودون أن يتخلصوا من الاستغلال. وما يحدث في الصين قد جاء نتيجة عمليات مستمرة وطويلة, حيث بدأت عام 1978 بالانفتاح على اقتصاد السوق, خاصة بعد عامين من وفاة ماوتسي تونج, ونتيجة الضغط من خلال الأزمة الاقتصادية, فلا تهم الخطة أو اقتصاد السوق بجنوب شرق آسيا, الأساس هو أن الاقتصاد ينمو ويكبر, فالحزب الشيوعي الصيني اتخذ قرارات لإصلاحات في مجال اقتصاد السوق بدأت أولا في المجال الزراعي ثم الصناعي, فالملايين من الفلاحين تملكوا قطع أراض خاصة, وبهذا استطاعوا بيع الفائض, إضافة إلي رفع الدولة لأسعار الإنتاج الزراعي.
وفتحت الحكومة الصينية الأقاليم الساحلية في الجنوب والشرق للاستثمار الخارجي واستطاعت ترخيص 13 منطقة للتجارة الحرة, إضافة إلى 260 أخرى, والتي أعفي الأجانب فيها من دفع الضرائب, وتحت هذه الشروط تصاعد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 33 مليارا, كما امتصت الصين 75 مليار دولار في الاستثمار غير المباشر, وبالتدريج أخذت مناطق السواحل الصينية بالتطور مطالبة دول العالم بالاستثمار, والمشروعات, ومن زوايا السياسة الجديدة هي تحويل ملكية الدولة إلى القطاع الخاص, حيث أعلنت المصانع المملوكة للدولة والمصابة بالعجز إفلاسها وعرضت للبيع أو اندمجت مع مصانع أخرى, وبعض المدراء استطاعوا تأجير هذه المصانع, أما الصغيرة منها فعرضت للبيع جميعها.
والواقع أن استمرار ملكية النظام الشيوعي الصيني للخدمات الأساسية في الدولة مترامية الأطراف برغم تحرير الصناعات بشكل كبير مرتبط أساسا بالوضع القومي في هذا البلد متعدد القوميات والأعراق والأديان, حيث نجح الحزب الشيوعي حتى الآن في الحفاظ على كيان الدولة من خلال توفير الحد الأدنى من الخدمات خاصة في مجال التعليم والرعاية الصحية, وتدخل بشكل ناجح في ضبط العلاقات بين مكونات الدولة, خاصة مع استمرار سيطرته على وسائل الإعلام وتحكمه في منع الحركات الانفصالية, فالوحدة سر القوة للصين كإمبراطورية صناعية وتجارية وإنتاجية كبرى.
مصالح استراتيجية
لعل الصين قد اتجهت مؤخرا صوب إفريقيا, ويعتبر تأمين بقاء القارة مصدرا للبترول والمواد الأولية من أهم دوافع الاهتمام الصيني بها لتسارع معدلات النمو الاقتصادي بها, فالصين أصبحت أكبر مستورد للبترول في العالم بعد الولايات المتحدة, وتحصل حاليا على 32% من احتياجاتها من خلال إفريقيا.
وتسعى الصين للحصول على 45% من احتياجاتها النفطية من القارة السمراء بحلول عام 2010, خاصة مع التوقعات بوصول الإنتاج إلى 8 ملايين برميل يوميا, وتقوم بسد احتياجاتها منه من كل من غينيا الاستوائية, والكونغو برازافيل, وليبيا والجابون إلى جانب السودان وانجولا اللذين يمثلان وحدهما 15% من واردات الصين . ولتحقيق تلك الأهداف وغيرها وضعت الصين استراتيجية متكاملة لتطوير علاقاتها بدول القارة الإفريقية على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وتعد المساعدات التي تقدمها الصين لإفريقيا احدى أدوات السياسة الخارجية لبكين, فضلا عن منتدى التعاون الصيني الإفريقي الذي أدي إلى تضاعف حجم التجارة والاستثمارات بينهما بنسبة400% , حيث بدأ بعشرة مليارات عام 2000, ووصل إلى 40 مليارا عام 2005, ثم قفز إلى 70 مليارا, ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تصل التجارة بين الصين وإفريقيا إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2010, وهو ما تسعى الصين للوصول إليه بعد أن أصبحت أكبر شريك تجاري لإفريقيا بعد الولايات المتحدة وفرنسا.
ويرجع السبب وراء ذلك لعدة اعتبارات منها: إنشاء بنك الصادرات والواردات الصيني لتسهيل عمل مشروعاتها بإفريقيا, وإنشاء الغرف التجارية المشتركة لتنشيط التعاون بين الجانبين. كما أن حزمة الإجراءات التي اتخذتها حكومة الصين من خلال إعلان بكين الخاص بتنفيذ ثمانية بنود متعلقة بمضاعفة المساعدات المقدمة لإفريقيا إلي 5 مليارات دولار في شكل قروض تفضيلية, وقرار إقامة صندوق للتنمية الصيني الإفريقي كلها ساعدت علي تشجيع رجال الأعمال الصينيين علي الدخول بقوة, وزيادة ضخ الاستثمارات المباشرة بالقارة بتهيئة الظروف القانونية الملائمة للاستثمار, وذلك بالإضافة إلي التوقيع علي اتفاقيات بين الصين وإفريقيا لتشجيع وضمان الاستثمارات, وكذلك اتفاقات تفادي الازدواج الضريبي . كما تدعم الصين السودان من خلال موقعها في مجلس الأمن للتصدي لأية عقوبات قد تفرض عليها من قبل الغرب. وتستفيد إفريقيا من علاقتها بالصين في تنويع شراكاتها, وعدم الاعتماد على شريك واحد, وزيادة الطلب والمنافسة, وزيادة تدفق المساعدات التنموية والاستثمارات الأجنبية المباشرة. وكذلك كان قرار حكومة بكين بإزالة التعريفات علي 454 منتجا إفريقيا لتسهيل فتح الأسواق الصينية أمام البضائع الإفريقية, وتعد الشراكة بينهما من أنجح الشراكات, خاصة أنها تتميز بعدم وجود شروط سياسية معقدة تربطها.
وتركز الصين في خططها مع القارة السمراء علي مشروعات البنية التحتية التي هي علي رأس الأولويات التي تحتاج الدول الإفريقية للمساندة والدعم فيها, ويشمل ذلك إنشاء طرق ومشروعات لتوليد الكهرباء خاصة أن هناك كثيرا من الدول الإفريقية في حاجة إلى إعادة أعمار بعد الحروب الأهلية مثل أنجولا وليبيريا التي تعمل فيهما الصين بقوة. ويشمل التعاون أيضا مجالات الزراعة والصحة والتعليم والتدريب الفني في مختلف المجالات. ويؤخذ على الصين الاعتماد على الايدي العاملة الوطنية فقط, وعدم الاستعانة باليد العاملة الإفريقية إلا في حدود ضيقة, وبالتالي صعوبة نقل الخبرة للأفارقة. كما أن الصادرات الصينية التي سيطرت على السوق الإفريقية أثرت على المنسوجات والأدوات المنزلية والصناعة المحلية بالقارة.
وكالة الانباء العربية
الخميس، 12 نوفمبر 2009
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق